الوصف
الأفكار الأساسية:
-
المسلمات الأساسية: تنطلق الرؤية الإسلامية من مسلمات كبرى: الإيمان بالغيب (الله، ملائكته، كتبه، رسله، اليوم الآخر، القدر)، واعتبار الوحي مصدرًا يقينيًا للمعرفة، واستحالة التعارض بين الوحي والحقائق الكونية، وأن الوجود الدنيوي مرحلة مؤقتة تتبعها حياة أخروية، والإنسان حر مختار ومسؤول عن سلوكه الإرادي.
-
مفهوم الانحراف: لغويًا هو الميل عن الاستقامة، وإسلاميًا هو: “معصية الله سبحانه بفعل ما نهى عنه أو ترك ما أمر به”، والخروج عن الصراط المستقيم.
-
تصنيفات الانحراف: تتعدد معايير التصنيف؛ فمنها ما يتعلق بالموضوع (علاقة الإنسان بالله، أو بالإنسان، أو بالخلق)، أو بمدى الظهور (انحرافات قاهرة كاللسان والجوارح، أو باطنة كالكبر والحسد والرياء)، أو بتوقيت العقوبة (دنيوية كالحدود والقصاص والتعزير، أو أخروية).
-
عوامل حدوث الانحراف: يرجعه المنظور الإسلامي إلى عاملين متلازمين: ضعف الإيمان أو غيابه (زوال الوازع)، ووجود عوامل محركة ومشجعة (شهوات، حاجات غير مشبعة، رفاق السوء). ويرى أن العوامل البيئية هي “عوامل وسيطة” وليست مستقلة، والفيصل هو صلة الإنسان بالله.
-
المواجهة والوقاية: يركز على التطبيق المتكامل للشريعة عبر ثلاثة محاور: الوقاية (من خلال بناء الأسرة الصالحة ورعاية الأيتام)، وإزالة الأسباب (كإشباع الحاجات الأساسية عبر التكافل والزكاة)، ثم العلاج والتطهير.
تحليل معمق للكتاب:
يمثل هذا البحث نموذجًا تطبيقيًا متميزًا لما يُعرف في أدبيات الفكر الإسلامي المعاصر بـ “إسلامية المعرفة” أو “التأصيل الإسلامي للعلوم”. ولم يقتصر الكاتب على تقديم مواعظ عامة، بل صاغ “أنموذجًا معرفيًا بديلًا” (Alternative Paradigm) يمكن تفكيكه وتحليله عبر الأبعاد التالية:
1. البعد المنهجي والإبستمولوجي (مصدر المعرفة)
في الوقت الذي تعتمد فيه المدرسة الوضعية الغربية على “المنهج التجريبي الحسي” كمصدر وحيد للحقيقة، يعيد الباحث في هذا المنظور رسم الخارطة المعرفية من خلال دمج “الوحي” (الكتاب والسنة) كعنصر حاسم وقطعي الثبوت في تفسير السلوك الإنساني.
-
توسيع الواقع: لم يعد الواقع مقتصرًا على ما تراه العين أو تسجله الكاميرا (عالم الشهادة)، بل يمتد ليشمل (عالم الغيب)؛ فالشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، ونزول السكينة، والبركة، كلها متغيرات حقيقية ذات أثر ملموس في سلوك الإنسان السوي أو المنحرف، وإغفالها في النظريات الغربية جعلها عاجزة عن التفسير الكامل.
2. البعد النفسي والأنثروبولوجي (طبيعة الإنسان)
يقدم البحث رؤية متوازنة ومكرمة للإنسان، متجاوزًا النظريات المادية:
-
نقد الحتمية (Determinism): يرفض البحث اعتبار الإنسان ضحية مطلقة لبيئته أو لغرائزه الحتمية (كما عند فرويد أو ماركس). الإنسان في التصور الإسلامي كائن حر ومختار ومسؤول عن قراره الإرادي.
-
العوامل الوسيطة والمستقلة: في تحليل رائع لعوامل الانحراف، يعتبر البحث أن الفقر، والجهل، وتفكك الأسرة، ورفاق السوء هي “عوامل وسيطة” وليست “عوامل مستقلة” أو حتمية؛ بدليل أن هناك فقراء يزدادون تعففًا وأمانة، وهناك أثرياء ينحرفون ويتورطون في الجريمة. الفيصل هنا هو “العامل المستقل الأوحد” وهو مدى قوة أو ضعف صلة العبد بخالقه (الوازع الإيماني).
3. البعد الاجتماعي والتطبيقي (مرونة التشريع وثباته)
-
معايير الانحراف: يبرز التحليل أن المنظور الإسلامي أرحب وأدق؛ فالقوانين الوضعية تتغير بتغير الأهواء والبرلمانات (ما كان جريمة بالأمس قد يصبح حرية شخصية اليوم كالشذوذ أو الزنا والتبرج). أما التشريع الإسلامي فيتميز بالثبات والاستقرار لأنه صادر من عليم خبير بالطبيعة البشرية، مما يحمي المجتمع من التخبط الأخلاقي والاجتماعي.
-
التكامل بين الرقابة الداخلية والخارجية: تفشل المجتمعات الحديثة في ضبط الأمن لأنها تعتمد كليًا على الرقابة الخارجية (الشرطة، الكاميرات، القضاء)، وحين يغيب الشرطي تظهر الجريمة. أما المنظور الإسلامي فيبني أولًا “الرقابة الذاتية” (التقوى ومراقبة الله الذي لا يغفل ولا ينام)، ثم يسندها بالرقابة المجتمعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنحرف) والرقابة التشريعية (الحدود والتعزير).
4. القيمة المضافة لمهنة الخدمة الاجتماعية
يخرج البحث مهنة “الخدمة الاجتماعية” في العالم الإسلامي من دور “المقلّد الذليل” للنظريات الغربية إلى دور “المؤصّل المستقل”. فالأخصائي الاجتماعي المسلم لم يعد مجرد موظف يطبق آليات (حل المشكلات الفردية) بطرق مادية، بل يتدخل كـ “مربٍّ وموجه قيمي” يستعين بأساليب التوبة، والدعاء، والاستغفار، والصحبة الصالحة، وربط المنحرف بالمسجد ومجالس العلم كأدوات علاجية تفوق في أثرها العيادات النفسية التقليدية.
أهم 20 اقتباسًا من الكتاب مع توثيق الموضع:
-
“فشل النظريات ونماذج التدخل المهني الحالية في المواجهة الفعالة لهذه المشكلة ووضع حد لها على الرغم من ان الغالبية العظمى من هذه النظريات والنماذج وضعة ويجري تطبيقها والعمل بموجبها في المجتمعات الغربية” (ص 6).
-
“عزف الكثير من العلماء والمتخصصون في العلوم المعنية بظاهرة الانحراف عن البحث عن تفسير لهذه الظاهرة وعواملها وكيفية مواجهتها فيما انزله الله سبحانه وتعالى من الكتاب والحكمة على رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم استغناء بما اتى به جراماتيكا وفرويد ومذرلاند وماركس .. وغيرهم” (ص 7).
-
“حرص الباحث على ان يقتصر في إعداده لهذا التصور على المراجع الإسلامية حتى لا يقع أسيرا للفكر الوضعي بما فيه من مفاهيم وتصنيفات” (ص 7).
-
“يقتضي التسليم بما ورد في هذه المسلمة الا نقتصر في تفسيرنا للسلوك الإنساني على المتغيرات المحصلة بعالم الشهادة وان ندخل تاثير المتغيرات الخاصة بعالم الغيب” (ص 8).
-
“ننظر الى السواء على انه طاعة الله والى الانحراف على انه معصية الله” (ص 8).
-
“إننا نؤمن باستحالة التعارض بين مانزل به الوحي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي ثبتت نسبتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الحقائق الكونية في واقعنا المادي والاجتماعي” (ص 11).
-
“يقتضي التسليم بذلك تصحيح النظرة الى الحياة الدنيا فهي ليست كل شيء ، وطموح الإنسان السوي لايجب ان يقتصر على مجرد ما يستطيع تحقيقه في الحياة الدنيا ، بل يجب ان يذهب الى ماهو ابعد” (ص 15).
-
“يقتضي التسليم بذلك رفض مبدأ الجبرية أو الحتمية في السلوك الانساني ، فالإنسان ليس اسيرا لقهر الظاهرة الاجتماعية ، كما انه ليس اسيرا لخبرات لاشعوره او خبرات طفولته المبكرة” (ص 16).
-
“فالانحراف اذن هو ترك الحق والوسطية والاستقامة ، ويقتضي الانحراف منحرفا عنه ومنحرف” (ص 17).
-
“وبناء على ما تقدم يمكننا ان نعرف الانحراف من المنظور الاسلامي على انه : معصية الله سبحانه بفعل مانهى عنه أو ترك ما أمر به” (ص 20).
-
“الانحرافات الباطنة: وهي انواع من الانحراف التي لا يمكن مشاهدتها بصورة مباشرة مثل الانحرافات الظاهرة، ولا يمكن اثباتها إلا بإقرار ممن يعاني منها” (ص 30).
-
“وعلم الله سبحانه هو علم كامل وصحيح فهو خالق الإنسان وهو أعلم بمن خلق ، أعلم بما يصلحه وبما يفسده فحين يامره بشيء فلا بد فيه صلاح له وحين ينهاه عن شيء فلابد فيه فساد له” (ص 40).
-
“الرقيب في المجتمعات التي تتمسك بشرع الله هو الله سبحانه وهو لا يغفل ولا ينام ولا يمكن غشه او خداعه” (ص 41).
-
“المنظور الإسلامي للانحراف أكثر اتساعا وشمولا حيث تضمن أنواعا عديدة من الانحرافات غير المتضمنة في المفهوم الوضعي” (ص 42).
-
“العديد من الانحرافات التي يحرمها الإسلام ولا تمنعها القوانين الوضعية تعتبر مقدمات لانواع أكبر من الانحراف” (ص 42).
-
“يتميز التحديد الإسلامي للانحراف بالثبات والاستقرار ، فنصوص الشريعة ثابتة دون تغيير او تبديل منذ ما يزيد على اربعة عشر قرنا وحتى تقوم الساعة” (ص 44).
-
“فالإنسان حر مختار محاسب على سلوكه الإرادي ، ولارادته الحرة الدور الرئيس في تحديد نوعية سلوكه ، فهي مصدر اول و اصيل لنية الإنسان و اختياراته” (ص 46).
-
“فمن سلك سبيل الطاعة والتقرب إلى الله يحبب الله إليه الطاعة ويعينه عليها ويوفقه إلى المزيد منها” (ص 48).
-
“فما تشير إليه هذه النظريات على انها عوامل مستقلة انما هو عوامل وسيطة تأثيرها محايد يتوقف على طبيعة علاقة الشخص المتعرض لهذا التأثير بالله” (ص 48-49).
-
“لبناء على ما تقدم يمكننا القول انه لحدوث الانحراف لابد من وجود عاملين في وقت واحد هما : أ – ضعف الايمان أو عدم وجوده بالمرة وبذلك يضعف و يزول الوازع … ب – وجود عوامل محركة ومشجعة على الانحراف” (ص 51).
الخاتمة:
لقد أثبت الباحث بالدليل القاطع أن أزمة تفاقم الانحراف والجريمة في مجتمعاتنا الإسلامية لا تكمن في قلة الإمكانيات المادية، بل في “عقم النظريات المستوردة” التي تحاول علاج إنسان يؤمن بالغيب والآخرة بأدوات ونظريات صُممت لإنسان مادي لا يرى أبعد من حياته الدنيا.
إن العودة إلى المرجعية الإسلامية في الخدمة الاجتماعية والعمل مع المنحرفين توفر للمجتمع:
-
حصانة وقائية صلبة تبدأ من عمق الوازع الإيماني الداخلي وتماسك الأسرة.
-
منهجية علاجية رحيمة وتطهيرية تعيد دمج المنحرف كعنصر تائب وصالح، وليس كـ “مجرم وسمته الوصمة الاجتماعية” مدى الحياة.
-
استقلالية معرفية وثقافية تحرر العقل المسلم من التبعية للغرب.
ويوصي هذا البحث في جوهره بضرورة إعادة صياغة المناهج الأكاديمية في كليات الخدمة الاجتماعية والمعاهد الإنسانية في العالم الإسلامي، لترتكز على نصوص الوحي وفقه الشريعة، لتقدم للأجيال القادمة من الأخصائيين الاجتماعيين أدوات عملية مستمدة من واقعهم وعقيدتهم، قادرة على تحقيق الاستقرار النفسي والأمن الاجتماعي الشامل.
للقراءة والتحميل


المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.